أحمد بن علي القلقشندي
211
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
التحبير » ( 1 ) : وأنا أقول قد اختلف في المبالغة ، فقوم يرون إن أجود الشعر أكذبه ، وخير الكلام ما بولغ فيه ، ويحتجّون بما جرى للنابغة الذبيانيّ مع حسان بن ثابت رضي اللَّه عنه في استدراك النابغة عليه تلك المواقع الحجية في قوله : لنا الجفنات ( 2 ) الغرّ يلمعن بالضّحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما فإن النابغة إنما عاب على حسان ترك المبالغة ؛ والقصة مشهورة . قال : والصواب مع حسان وإن روي عنه انقطاعه في يد النابغة ؛ وقوم يرون المبالغة من عيوب الكلام ، ولا يرون محاسنه إلا ما خرج مخرج الصدق ، وجاء على منهج الحق ؛ ويزعمون أن المبالغة من ضعف المتكلم وعجزه عن أن يخترع معنى ، أو يفرّع معنى من معنى ؛ أو يحلي كلامه شيئا من البديع ، أو ينتخب ألفاظا موصوفة بصفات الحسن ، ويجيد تركيبها ، فإذا عجز عن ذلك كله عدل إلى المبالغة يسدّ بها خلله ويتم نقصه ؛ لما فيها من التهويل على السامع ، ويدّعون أنها ربما أحالت المعاني فأخرجتها عن حدّ الإمكان إلى حدّ الامتناع . قال : وعندي أن هذين المذهبين مردودان ، أما الأوّل فلقول صاحبه إن خير الكلام ما بولغ فيه ، وهذا قول من لا نظر له ، لأنا نرى كثيرا من الكلام والأشعار جاريا على الصدق المحض خارجا مخرج البحث ، وهو في غاية الجودة ، ونهاية الحسن ، وتمام القوّة ؛ وكيف لا والمبالغة ضرب واحد من المحاسن ، والمحاسن لا تحصر ضروبها ؛ فكيف يقال : إن هذا الضرب على انفراده يفضل سائر ضروب المحاسن على كثرتها ! وهذا شعر زهير والحطيئة وحسان ، ومن كان مذهبه توخّي الصدق في شعره غالبا ، ليس فوق أشعارهم غاية لمترقّ ، ألا ترى إلى قول زهير : ومهما يكن عند امرئ من خليقة وإن حالها تخفى على الناس تعلم
--> ( 1 ) لأبي محمد ، عبد العظيم بن عبد الواحد بن ظافر العدواني المصري المعروف بابن أبي الأصبع المتوفى سنة 654 ه . ( ذيل كشف الظنون : 3 / 231 ) . ( 2 ) جمع جفنة ، وهي القصعة ( القاموس : 4 / 211 ) .